"اثر التاويل في دفع ايهام التعارض بين مختلف الحديث"
محمد فتحي حامد مرسي عين شمس الآداب اللغة العربية وآدابها الماجستير 2003
"الأول: حديث أبى قتادة -مرفوعا-: ""إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس"".( )
والثانى: حديث أبى سعيد الخدرى -مرفوعا-: ""لاصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولاصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس"".( )
فالحديث الأول: خاص فى صلاة تحية المسجد، عام فى استحبابها فى جميع الأوقات.
والحديث الثانى: عام فى جميع الصلوات، خاص فى النهى عن أدائها فى أوقات الكراهة.
وللعلماء فى هذه المسألة مذهبان:
الأول: حمل النهى عن الصلاة فى أوقات الكراهة على ماسوى صلاة تحية المسجد.
وعليه: فيجوز أداء صلاة تحية المسجد فى أوقات الكراهة.
وهو مذهب الشافعية، ورواية أشهب عن مالك.
الثانى: حمل استحباب أداء صلاة تحية المسجد فى جميع الأوقات على ماسوى أوقات الكراهة.
وعليه: لايجوز أداء صلاة تحية المسجد فى أوقات الكراهة.
وهو مذهب أبى حنيفة، ورواية ابن القاسم عن مالك.( )
ثانيا: التعارض بين المطلق والمقيد:
ويقع التعارض الظاهرى -كذلك- بسبب تعارض النصين بين الإطلاق والتقييد، ويتحقق ذلك بأن يكون أحد النصين مطلقا والآخر مقيدا، فيندفع إيهام التعارض بينهما بحمل الإطلاق الذى يدل عليه أحدهما على القيد الذى يدل عليه الآخر.
مثاله: قوله r : ""..ومن يطع الأمير فقد أطاعنى، ومن يعصِ الأمير فقد عصانى"".( )
مع قوله r : ""إنما الطاعة فى المعروف"".( )
فالحديث الأول: مطلق يدل على لزوم طاعة الأمير مطلقا، والثانى: مقيد بكون هذه الطاعة لاتكون إلا فى المعروف.
فيتم الجمع بين الحديثين بحمل الإطلاق الذى يدل عليه الحديث الأول على القيد المذكور فى الثانى، فلاتكون طاعة ولاة الأمور إلا فى المعروف، وبذا يزول مابينهما من ظاهر التعارض.( )
ثالثا: التعارض بين دلالتى الحقيقة والمجاز:
ومن أسباب التعارض الظاهرى أيضا: تعارض النصين بين دلالتى الحقيقة والمجاز.
وصورة ذلك: أن يتعارض نصان من حيث الظاهر، ويكون لأحدهما دلالتان: دلالة الحقيقة ودلالة المجاز، فلكى يتحقق التوافق بينهما ويزول مابينهما من تعارض ظاهرى: يتم الجمع بينهما بالتأويل، وذلك بصرف دلالة هذا النص من الحقيقة إلى المجاز حتى تأتلف دلالته مع دلالة النص الآخر.
مثاله: حديث جابر رضى الله عنه؛ قال: ""قضى رسول الله r بالشفعة فى كل مالم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلاشفعة"".( )
مع قوله r : ""الجار أحق بسقبه"".( )
فالحديث الأول: يدل على أن الشفعة تختص بالشريك دون الجار، ويدل الثانى: على أن الشفعة تثبت للجار وإن لم يكن شريكا.
ولفظ ""الجار"" فى الحديث الثانى له دلالتان:
الأولى: دلالة الحقيقة التى تدل على أنه المجاور.
الثانية: دلالة المجاز التى تدل على أنه الشريك.
فيتم الجمع بين الحديثين بصرف دلالة لفظ ""الجار"" المذكور فى الحديث الثانى من الحقيقة إلى المجاز؛ حتى يكون المقصود به الشريك دون الجار غير المشارك، وبذا يزول مايتوهم من التعارض بين الحديثين، وعلى ذلك تكون الشفعة مختصة بالشريك، ولايكون للجار نصيب فيها إلا إذا كان شريكا.
وهذا هو مذهب الشافعى ومالك وأحمد.( )
رابعا: اختلاف دلالة الأمر بين الوجوب والندب:
ويقع التعارض الظاهرى -كذلك- بسبب اختلاف دلالة الأمر بين كونها للوجوب أو للندب.
ويحدث ذلك: بأن يتعارض نصان من حيث الظاهر، ويدل أحدهما على وجوب الفعل بدلالة الأمر، ويدل النص الآخر على عدم وجوب الفعل بقرينة من القرائن.
فيتم الجمع بين النصين بصرف دلالة الأمر فى النص الأول من الوجوب إلى الندب؛ حتى تتوافق دلالة هذا النص مع النص الآخر الذى يدل على عدم الوجوب، وبذلك يندفع إيهام التعارض بينهما.
مثاله: قوله r : ""إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل"".( )
مع قوله r : ""من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل"".( )
فقد اشتمل الحديث الأول على صيغة الأمر التى تدل على الوجوب: ""فليغتسل""، فدل ذلك على وجوب غسل الجمعة، بينما اشتمل الثانى على قرينة لفظية، وهى قوله: ""أفضل""، وهى تدل على عدم الوجوب؛ لاشتراك كل من الغسل والوضوء فى أصل الفضل.
فيتم الجمع بين الحديثين بصرف دلالة صيغة الأمر الواردة فى الحديث الأول من الوجوب إلى الندب حتى يزول مابين الحديثين من ظاهر التعارض.( )
خامسا: اختلاف دلالة النهى بين التحريم والكراهة:
ونظير دلالة الأمر دلالة النهى؛ فيقع التعارض الظاهرى بسبب اختلاف دلالة النهى بين التحريم والكراهة.
وصورته: أن يأتى نصان متعارضان -ظاهرا-: يشتمل أحدهما على النهى عن فعل شىء، والنهى يدل على تحريم فعل هذا الشىء، والنص الآخر يدل على جواز فعل ذلك الشىء.
فيتم الجمع بينهما بصرف دلالة النهى من التحريم إلى الكراهة دفعا لما وقع بينهما من ظاهر التعارض والاختلاف.
ويكون النهى دالا على الكراهة التنزيهية التى لاتتعارض مع جواز الفعل؛ لكونه مكروها تنزيها لا تحريما.
مثاله: حديث أنس رضى الله عنه عن النبى r : ""أنه نهى أن يشرب الرجل قائما"".( )
مع حديث ابن عباس رضى الله عنهما: ""أن رسول الله شرب من زمزم وهو قائم"".( )
ففى الحديث الأول: نهى النبى r عن الشرب قائما، فيدل ذلك على تحريم الشرب قائما.
وفى الحديث الثانى: تنصيص على شربه r من زمزم وهو قائم، وذلك يدل على جواز الشرب من قيام.
فيتم الجمع بين الحديثين بصرف دلالة النهى الوارد فى الحديث الأول من التحريم إلى الكراهة التنزيهية، وبحمل الفعل الشريف الوارد فى حديث ابن عباس على بيان الجواز، وبذلك يندفع مابين الحديثين من ظاهر الاختلاف.( )
سادسا: الاختلاف من جهة المباح:
قال أمامنا الشافعى رضى الله عنه -وهو يعدِّد أوجه الاختلاف بين الأحاديث-:
""..ومنها مايكون اختلافا فى الفعل من جهة أن الأمرين مباحان، كاختلاف القيام والقعود، وكلاهما مباح""، ثم قال: ""ومنها ماعده بعض من ينظر فى العلم مختلفا بأن الفعل فيه اختلف، أو لم يختلف الفعل فيه إلا باختلاف حكمه، أو اختلف الفعل فيه بأنه مباح، فيشبه أن يعمل به بأنه القائل به"".( )
ففى هذا النوع: يحدث الاختلاف بين النصين بسبب فعل النبى r للشىء الواحد على أكثر من وجه، أو بسبب دلالة النصوص الشرعية من الآيات أو الأحاديث على أكثر من حكم فى المسألة الواحدة.
فمثال الأول: وضوء النبى r على أكثر من هيئة:
فقد صح عنه r : أنه وضَّأ وجهه ويديه ومسح برأسه مرة مرة.( )
وثبت عنه r : أنه توضأ، فغسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا.( )
وورد عنه r بالإسناد الصحيح: أنه توضأ، فغسل بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثا.( )
ولا يعد ذلك كله من قبيل الاختلاف؛ بل يدل ذلك على أن تعدد تلك الهيئات يكون من جهة المباح، فبأيها أخذ المكلف، فقد أصاب سنة النبى r ، وكان فعله مشروعا وجائزا.( )
ومثال الثانى: اختلاف دلالات النصوص حول حكم الصيام فى السفر فى شهر رمضان:
فمن هذه النصوص:
قوله تعالى: ""شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر"" (البقرة 185).
ومنها: حديث ابن عباس: ""أن رسول الله خرج عام الفتح فى رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، فأفطر الناس معه"".( )
ومنها: قوله r : ""ليس من البر أن تصوموا فى السفر"".( )
ومنها: قوله r لحمزة بن عمرو الأسلمى: وقد سأله: أأصوم فى السفر؟، قال r : ""إن شئت فصم وإن شئت فأفطر"".( )
ولايعد هذا من قبيل الاختلاف؛ بل تدل هذه النصوص على أن كلا من الصوم والفطر فى سفر رمضان جائز ومباح.( )
وقد رجَّح الإمام الشافعى الصوم فى السفر فى رمضان، فعدَّ الصوم عزيمة والفطر رخصة، مع كون كل منهما مباحا.
قال الشافعى رضى الله عنه: ""أحب صوم شهر رمضان فى السفر والمرض -إن لم يكن يجهد المريض ويزيد فى مرضه، والمسافر فيخاف منه المرض- فلهما معا رخصة فيه"".( )
سابعا: الاختلاف بسبب تغاير الحال:
ومن أسباب التعارض الظاهرى الاختلاف بسبب تغاير الحال واختلاف السياق والمقام.
ويتحقق ذلك: عندما يرد نصان متعارضان من حيث الظاهر؛ بحيث يدل كل منهما على حكم يختلف عن الحكم الذى يدل عليه الآخر.
فإذا حملنا كل نص منهما على حالٍ ومقامٍ يخالف الحال والمقام الذى يحمل عليه الآخر، ائتلف النصان، وزال مابينهما من ظاهر التعارض.
مثاله: مسألة خطبة الرجل على خطبة أخيه.( )
فقد ورد فى هذه المسألة حديثان متعارضان -ظاهرا-:
أولهما: قوله r : ""لايخطب الرجل على خطبة أخيه"". ( )
ثانيهما: حديث فاطمة بنت قيس: ""أن رسول الله r قال لها فى عدتها من طلاق زوجها: ""فإذا حَلَلْتِ فآذنينى""، قالت: فلما حَلَلْتُ، ذكرتُ له أن معاوية بن أبى سفيان وأبا جهم خطبانى، فقال رسول الله r : ""أما أبو جهم فلايضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لامال له، انكحى أسامة بن زيد""، فكرهته، ثم قال: ""انكحى أسامة""، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطتُ"".( )
فدل الحديث الأول: على النهى عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، ودل الثانى: على جواز ذلك؛ بدليل أن النبى r قال لفاطمة بنت قيس: ""انكحى ابن زيد"" وقد خطبها معاوية وأبو جهم؛ فدعاها لنكاح ابن زيد، وهى مخطوبة لغيره.
ولكن هذا التعارض الظاهرى يزول إذا نزَّلنا كل نص منهما على حال يخالف الحال الذى يُنَزَّل عليه الآخر؛ فيحمل نهى الرجل عن الخطبة على خطبة أخيه على حالٍ ترضى فيها المرأة لوليها بإتمام الزواج، ويحمل جواز ذلك على حالٍ آخر لم تكن فيه المرأة قد أبدت بعد رأيها لوليها فى هذا الزواج.
وبتنزيل الحديثين الشريفين على تغاير الحال واختلاف المقام: يندفع مايتوهم من التعارض بينهما.
قال الإمام الشافعى رضى الله عنه: ""..لأن رسول الله r لاينهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه فى حالٍ يخطب هو فيها على غيره، ولكن نهيه عنها فى حال دون حال؛ فإن قال قائل: فأى حال نهى عن الخطبة فيها؟، قيل -والله اعلم- أما الذى تدل عليه الأحاديث: فإن نهيه عن أن يخطب على خطبة أخيه إذا أذنت المرأة لوليها أن يزوجها"".( )"
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة